صفي الرحمان مباركفوري
284
الرحيق المختوم
وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم ، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الآطام والحصون في منعة من الجيش الإسلامي - مع أنها كانت خالية عنهم تماما - فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل ، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيين بالمؤن كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين ، حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جملا . وانتهى الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإلى المسلمين فبادر إلى تحقيقه ، حتى يستجلي موقف قريظة ، فيواجهه بما يجب من الوجهة العسكرية ، وبعث لتحقيق الخبر السعدين : سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وعبد اللّه بن رواحة ، وخوات بن جبير ، وقال : « انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تفتوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس » . فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون ، فقد جاهروهم بالسب والعداوة ، ونالوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : من رسول اللّه ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ، ولا عقد . فانصرفوا عنهم ، فلما أقبلوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لحنوا له ، وقالوا : عضل وقارة ، أي أنهم على غدر ، كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع . وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطن الناس لجلية الأمر ، فتجسد أمامهم خطر رهيب . وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون ، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف ، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف ، عنه ، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ ، وصاروا كما يقول اللّه تعالى : وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [ الأحزاب : 10 ، 11 ] ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط . وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه : إن بيوتنا عورة من العدو ، فأذن لنا أن نخرج ، فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج المدينة ، وحتى همت بنو سلمة بالفشل وفي هؤلاء أنزل اللّه تعالى : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي
--> - وذلك أن الحديث ينقطع الإسناد ، ولو صح لهجي به حسان ، وإن صح الحديث فربما كان حسان معتلا في ذلك اليوم ، وهذا أولى ما تأول .